محمد بن جرير الطبري

206

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، في قوله : " وليقولوا دارست " قال : قالوا دارست أهل الكتاب ، وقرأت الكتب وتعلمتها . ذكر من قال ذلك " درست " بمعنى : نبئت وقرئت ، على وجه ما لم يسم فاعله : حدثنا عمران بن موسى القزاز ، قال : ثنا عبد الوارث بن سعيد ، قال : ثنا الحسين المعلم وسعيد ، عن قتادة : " وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست " أي قرئت وتعلمت . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، قال : قال قتادة : " درست " قرئت . وفي حرف ابن مسعود درست : " درس " . ذكر من قال ذلك : " درست " بمعنى : انمحت وتقادمت ؛ أي هذا الذي تتلوه علينا قد مر بنا قديما وتطاولت مدته : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : كان الحسن يقرأ : " وليقولوا درست " : أي انمحت . حدثني المثنى ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا شعبة ، قال : ثنا أبو إسحاق الهمداني ، قال في قراءة ابن مسعود : " درست " بغير ألف ، بنصب السين ووقف التاء . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، قال : سمعت ابن الزبير يقول : إن صبيانا هاهنا يقرءون : " دارست " وإنما هي " درست " . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، قال الحسن : " وليقولوا درست " يقول : تقادمت وانمحت . وقرأ ذلك آخرون درست : " درس " ، من درس الشيء : تلاه . حدثنا أحمد بن يوسف الثعلبي ، قال : ثنا أبو عبيدة ، قال : ثنا حجاج ، عن هارون ، قال : هي في حرف أبي بن كعب وابن مسعود : " وليقولوا درس " درست قال : يعني النبي صلى الله عليه وسلم قرأ . وإنما جاز أن يقال مرة درست ، ومرة درس ، فيخاطب مرة ويخبر مرة ، من أجل القول . وقد بينا أولى هذه القراءات درست في ذلك بالصواب عندنا ، والدلالة على صحة ما اخترنا منها . وأما تأويل قوله : وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ يقول تعالى ذكره : كما صرفنا الآيات والعبر والحجج في هذه السورة لهؤلاء العادلين بربهم الآلهة والأنداد ، كذلك نصرف لهم الآيات في غيرها ، كيلا يقولوا لرسولنا الذي أرسلناه إليهم إنما تعلمت ما تأتينا به تتلوه علينا من أهل الكتاب ، فينزجروا عن تكذيبهم إياه وتقولهم عليه الإفك والزور ، ولنبين تصريفنا الآيات الحق لقوم يعلمون الحق إذا تبين لهم ، فيتبعوه ويقبلوه ، وليسوا كمن إذا بين لهم عموا عنه فلم يعقلوه وازدادوا من الفهم به بعدا . القول في تأويل قوله تعالى : اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : اتبع يا محمد ما أمرك به ربك في وحيه الذي أوحاه إليك ، فاعمل به ، وانزجر عما زجرك عنه فيه ، ودع ما يدعوك إليه مشركو قومك من عبادة الأوثان والأصنام ، فإنه لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يقول : لا معبود يستحق عليك إخلاص العبادة له إلا الله الذي هو فالق الحب والنوى وفالق الإصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا . وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ يقول : ودع عنك جدالهم وخصومتهم . ثم نسخ ذلك جل ثناؤه بقوله في براءة : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ الآية . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، أما قوله : وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ونحوه مما أمر الله المؤمنين بالعفو